بسم الله الرحمن الرحيم
20 / 3 / 1442
"ملامح الحُسْن وموقف الإسلام منه"
الحمد لله...
مكانة الشَّعر عند العرب.
كان للشعر عند العرب مكانةٌ خاصةٌ-شعر الرأس أو اللحية، فكانوا يمتدحون به، ويحثون على تكريمه، وكان من عادة الرجال والنساء أن يتخذوا الذوائب والغدائر، وكانت العرب تقول: "إذا اتخذْتَ جاريةً فاستجد شعرها، فإن الشعر أحدُ الوجهين"([1])
والشعر أحد الوجهين، أي: النظر إليه كالنظر إلى الوجه، فهو أحد ملامح الحُسن، ومواطن التنظف.
الإسلام يقرر ما كانت عليه العرب.
ولأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، كما جاء على سنن كثير من العرب وآدابِها، فقد أمر بإكرام الشعر والإحسان إليه، كما أطَّره بأُطُرٍ ينبو فيها عن التغبُّر والتَّشعُّث، أو التَّميع والتخنث والتشبه، فقال ﷺ:"من كان له شعر فليكرمه"([2]). أي: فليعتن به ولا يترُكْه سبهللاً، بل ينظّفه ويُسرحه ويطيبه.
وكان رسول الله ﷺ في المسجد فدخل رجل ثائرَ الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده: أن اخرج؛ كأنه يعني إصلاح شعرِ رأسِه ولحيتِه، ففعل الرجل، ثم رجع فقال رسول الله ﷺ: "أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدُكم ثائرَ الرأس، كأنه شيطان"([3]).
وعن جابر بن عبد الله، قال: أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعرُه، فقال: "أمَا كان هذا يجد ما يُسَكِّن به شعرَه؟ "([4]).
موقف الشريعة من أنواع شعر البدن.
وموقف الشريعة من شعر البدن أنه على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: شعر أمر الإسلام بتوفيره، وهو شعر اللحية، فقد قال ﷺ:"خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب"([5]).
اللحية زينة الرجال، كما أن الذؤابة زينة النساء.
واللحية فيها جمال وكمال، ووقار وجلال، وكانت عائشة إذا أقسمت قالت: "والذي زين الرجال باللحى"([6]).
فكما أن الذؤابة للمرأة جمال، فاللحية للرجل وقار وكمال وجمال وجلال.
اللحية سمة الأنبياء، وعادة عباد الله الراكعين
وهي سمت الأنبياء قال هارون: (يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي) طه: ٩٤، لأنه لو كان حالقًا لما استطاع موسى الأخذَ بلحيته، فإعفاءُ اللحية من السمت الذي أُمِرْنا به في القرآن العظيم، لأن هارون من الأنبياء الذين قال الله عنهم في كتابه: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) الأنعام٩٠([7]).
واللحية علامةُ الرُّكَّعِ السُّجَّد، قال الله: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) الإسراء: ١٠٩، وتأمل كيف قال الله (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ ) فالأذقان كناية عن اللحى، فهؤلاء من عظيم خشوعهم إذا بالغوا عند السجود في الخضوع والخشوع ربما مسحت لحية أحدهم الأرض، وهذا غاية التعظيم([8]).
النوع الثاني: شعر أمر الإسلام بإزالته، وهو شعر الإبط والعانة، قال ﷺ:" الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ"([9])، والاستحداد: حلقُ شعر العانة، والإبط يُنتف بالاتفاق، إلا لمن لا يقوى فله الحلق، قال الشافعي: "علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع"([10]).
سنن الفطرة شعار أهل النظافة.
ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية منها: تحسينُ الهيئة، وتنظيفُ البدن، والإحسانُ إلى المخالِط والمقارَن بكف ما يتأذى به من روائح، ومخالفةُ شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، والمحافظةُ على ما أشار إليه قولُه تعالى (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) غافر: ٦٤ وكأنه قيل: قد حسَّنتُ صورَكم فلا تشوهوها بما يقبحها، ولأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه، فيُقبل قولُه، ويُحمد رأيُه والعكس بالعكس([11]).
النوع الثاني: شعر سكت الإسلام عنه، فلم يأمر بحلقه ولا بتركه، كشعر الساقين واليدين والصدر، فلا بأس بإزالته للرجل والمرأة: لمرض، أو تنظف، أو غير ذلك([12])، وليس في إزالته بالنسبة للرجال تشبه بالنساء.
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) مريم: ٦٤.
الخطبة الثانية: الحمد لله...
شعر رأس الرجال.
عباد الله. يجوز للرجال حلق شعر الرأس في غير حج وعمرة، فقد حلق النبيُّ ﷺ أبناءَ جعفر بنِ أبي طالب لما استُشهِد والدُهم([13])، لأنه ﷺ لما رأى أنَّ أمَّهم أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ مُشتغلةٌ بالحُزنِ على زَوجِها عن تَسريحِ شُعورِ أبنائها، فأشفَقَ عليهم مِن الوَسَخِ والقَمْلِ، فأمر بحلق رؤوسِهم ﷺ.
حلق القزع.
ولكنه لا يُحلَق بعضُ شعرِ الرأس ويُتركُ بعضُه، لأن النبي ﷺ نهى عن القزع([14])، فإذا كان الحلق فيه تشبه بالكفار وعوائدِهم فهو حرام، فعن عمر قال: "حَلْقُ القفا من غير حجامة مجوسيَّة"([15])، وعن أنس بن مالك أنه رأى غلامًا له قرنان، أو قصَّتان، فقال: "احلقوا هذَيْنِ أو قصُّوهما؛ فإن هذا زيُّ اليهود"([16]). وكثير ممن يحلق مؤخرة الرأس، أو جوانبه إنما ركب موجة التقليد لمن لا يحل له تقليدهم من السقطة الكفرة، وأهل المجون والعهر، وقد قال ﷺ: "مَن تشبَّه بقوم فهو منهم"([17]).
شعر رأس النساء.
أما المرأة فلا يجوز لها الحلق لنهي النبي ﷺ عن ذلك([18])، قال الحسن البصري: "هذه مُثْلَة"، ولأن الحلق من خصائص الرجال، وقد لعن ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال([19]).
أما تقصيره فجائز، إذا لم يكن تشبهًا بالكفرة أو الرجال، فقد كان أزواج النبي ﷺ يَأْخُذْنَ من رؤوسهن حتى تكون كالوَفْرَة([20])، والوفرة: الشعر الذي يصل إلى الأذنين أو المنكبين، وإنما أخذن من رؤوسهن تخفيفًا عليهن، لأن طول الشعر يحتاج لرعاية ووقت، وقد كن مشغولات بخدمة رسول ﷺ، وإصلاح بيته.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) التذكرة الحمدونية، لمحمد ابن حمدون (5/12)
([2]) رواه أبو داود، وحسنه ابن حجر.
([3]) رواه مالك، وهو مرسل، ومعناه صحيح، يشهد له ما بعده.
([4]) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
([5]) رواه البخاري.
([6]) بحر الفوائد، للكلاباذي (ص:49).
([7]) انظر: أضواء البيان، للشنقيطي (4/92)
([8]) انظر: مفاتيح الغيب، للرازي (2/417).
([9]) متفق عليه.
([10]) انظر: فتح الباري، لابن حجر (3/149).
([11]) انظر: فتح الباري، لابن حجر (10/339).
([12]) وهو اختيار الشيخين ابن باز، وابن عثيمين.
([13]) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
([14]) متفق عليه.
([15]) التنوير، للصنعاني (5/379).
([16]) رواه أبو داود والبيهقي.
([17]) رواه أبو داود.
([18]) رواه النسائي.
([19]) رواه البخاري.
([20]) رواه مسلم، والقول بالجواز هو فتوى اللجنة الدائمة (5/199)