بسم الله الرحمن الرحيم
الميراث وتخبط البشرية
3 / 7 / 1446هـ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
القضية المظلومة بين الأمم.
قضية من أقدم القضايا التي تنازعها البشر، وأمر من أعتق الأمور التي تخبط فيها بنو الإنسان، ما بين عادات بدائية ظالمة، وموروثات قبلية جائرة، فلا تكاد تجد حضارة قديمة: هنديةً أو صينيةً أو فارسيةً أو رومانيةً أو عربيةً جاهليةً إلا وهي تخبط خبط عشواء، وهي من أبرز قضايا المحاكم الشرعية، والتي تخبرك دهاليزها، وتحدثك أقبيتها عن مآسي وكوارث، ألا وهي قضية الميراث والتركة، فكم من السَّفه العقلي الذي عاشه بعض البشر في هذه القضية، فكان اليهود يخصون الولد الذَّكَر بالميراث ويَحرمون الأنثى، والمصريون القدماء يورِّثون المرأة على التساوي مع الرجل في مخالفة للفطرة.
الجاهلية وضيمها.
أما الجاهلية فحدث ولا حرج من ظلم ظلموه، فقد كان بعضهم يخصون الميراث الرجالَ الأقوياء، ويحرمون النساء والأطفال والضعفاء، وكانوا يقولون في النساء: "لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلًّا، ولا تنكأ عدوًّا، ولا تكتسب، فعلام ترث!"، ومِن أصدق الوثائق التي أخبرتنا عن هذا الظلم والجور وثيقةُ القرآن التي حدثتنا أن الجاهلية كانت تعيش شريعة الغاب والافتراس، حتى إن الرجل إذا مات أخوه لم يكتف بأخذ كلِّ ماله، بل تعدى جهلُ الجاهلية إلى أخذ المرأة وجعلِها من التركة، إن شاء حبسها وعضلها، وإن شاء تزوجها، وليس لها من مال زوجها إلا التراب، بل كان من سفه الجاهلية وطيشها أن الرجل يتزوج امرأة أبيه إذا مات أبوه، وكانت بعض النساء في ذلك الوقت كارهاتٍ لهذا الغَشَم، منكسرات بين هذا الجور، ولو رامت المرأة المحيد عنه لأصبحت سُبَّة لها، ومَلامَة لأهلها، قال تعالى مبينًا الحالة الشنعاء المستكرهة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) النساء: ١٩ قال ابن عباس-رضي الله عنهما-: "كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمُه ثوبَه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها"([1]).
الإسلام يكسر طوق الحصار الجاهلي.
وقد بقيت المرأة تحت وطئة الفساد العقلي الجاهلي، والطمع الجَشِع العربي، حتى جاء الإسلام واستنقذ حق الضعيف والمرأة، وكسر طوق الأسْر، وحرر المساكين من عنف الفكر البائد، قال ﷺ: "إِنَّي أُحَرِّجُ عليكم حقَّ الضعيفينِ: اليتيمُ، والمرأةُ"([2])، فأغاث الإسلام مالَ مَنْ له الحق، والذي أضاعه كثير من الأمم السالفة لشدة احتقارهم وازدرائهم بالضعفة ومنزوعي الحيلة، فأنزل الله تعالى: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) النساء: ١١، ولاحظ أن الله قال (للذكر) ولم يقل: (للرجل)، لأن لفظة الذكر يدخل فيها الصغار والرجال، وهو ردٌّ على الجاهلية الذين كانوا لا يورثون الأطفال أيضًا، فانتفت سنة الجاهلية في عدم توريث النساء والأطفال، حتى غدا حقُّ الميراث قانونًا نظاميًا اجتماعيًا وشرعيًا، لا يتناقض ولا يدخله الضيم، (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت: ٤١ – ٤٢.
وتأمل رحمة الله العظيمة في أمره سبحانه وتعالى بقوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) فالله العظيم يوصيك بولدك خيرًا، وهو يدل على أن الله أرحمُ بأولادنا منا، حتى أقسم النبي ﷺ فقال عن امرأة من السبي تبحث عن ولدها: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها"([3]).
آيات تصدح بالعدالة.
فكانت أولُّ الآيات التي صدحت بالعدالة، ورفعت قَدَم الحقوق وساقَها، وجعلت إرث المعتقد الجاهلي تحت قدم الإسلام قولَه تبارك وتعالى: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) النساء: ٧، وانظر إلى هذا التفصيل البديع القرآني، وإطناب الوحي البلاغي، فلم يقل الله: "للرجال وللنساء نصيب"، إنما أبان ووضح، فَفَصَل نصيب الرجل عن نصيب المرأة، وقال: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) ، كل ذلك دفعًا لِعِبيَّة الجاهلية وحماقتِها التي استهانت بالمواريث ولعبت بالحقوق، وقد عظم الله الميراث حتى ولو قلَّ ، فقال سبحانه: (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا).
جاهلية معاصرة !
عباد الله. ألا وإن لكل قوم وارثًا، وقد شرب أقوام اليوم عادات الجاهلية البائدة، وأصبح لدينا جاهليةٌ جديدةٌ معاصرة، تمنع البنات الميراث من المنازل والعقارات والأموال، بحجة أن المال سيذهب لأزواجهن، ويقولون: "نعطيها أرضًا بين أراضينا وتُدخِلَ علينا أبناء فلانِ بن فلان!"وبعضهم يكتفي بإعطائهن المال اليسير لإسكاتهن، وهذا عرف فاسد منتشر في الأوساط التي تحكم بشريعة الشيطان القبلية، والعادات الممسوخة العرفية، لا قانونَ القرآنِ وعدالتِه.
ولما كان أمر المال محل الصراع والعداوة، ومكان القتل والتحريش تولى الله بنفسه العظيمة قسمة التركات، وتوزيع الأنصبة بين الورثة، حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يطغى طاغية على مكسور الجناح، وهدد وتوعد من خالف وكابر، وأصر على تعدي الحدود، والاستخفاف بالشرع، قال تعالى موضحًا أنَّ مَن غير النظام الإلهي في ذلك فقد استوجب النار، فقال سبحانه في ختم المواريث: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ( النساء: ١٣ - ١٤.
الخطبة الثانية: الحمد لله.
إن من الموبقات العظيمة التعدي على مال الورثة، وأكل أموال المستحقين، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء: ١٠، هذه الآيات العظيمة أتدري أين مكانها من القرآن؟ جعلها الله بين آيات المواريث، تنبيهًا للأكلة الذين نسوا الله والدار الآخرة، قال القاسمي رحمه الله: "ما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته تعالى وكثرة عفوه وفضله. لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى"([4]).
ولما كان هذا الوعيد فيه ما فيه خاف الجِلَّة من الصحابة أن يخالطوا أموال اليتامى، ففصلوا طعامهم عن طعامهم حتى فسد، فأنزل الله برحمته: (وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) البقرة: ٢٢٠، فأذن الله لهم بالمخالطة التي ترفع فساد الطعام، لكنها لا تؤدي إلى الطغيان في أموالهم.
ومن الصور المشرقة عن السلف الصالح: أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهي تعجن، فرفعت يديها من العجين، وقالت: "هذا طعام قد صار لنا فيه شريك"، يعني: وارث، وأن امرأة أخرى أتاها نعي زوجها والسراج يتقد، فأطفأت السراج، وقالت: "هذا زيت قد صار لنا فيه شريك" يعني: وارث ([5]).
فلنعظم حدود الله، ولنبادر بقسمة التركات، فإن تأخير القسمة بغير حق محرم شرعًا، وهو مظنة للعداوات وقطيعةِ الأرحام، وتأخيرِ المال عن المحتاج.
فويل لمن تلاعب بالتركة في ورقة، وويل لمن أكل حق أخته بتوكيل جائر ظالم، وويل للمصلي تراه في الصف الأول، وهو قد أكل مال أبناء أخيه بعد موته بوثيقة قانونية تحايل بها على قاض، أو محام، أين هو من قاضي القضاة، وحامي الحماة الذي أحصى أوراقه وتزويره
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) الكهف: ٤٩ .
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) تفسير ابن جرير، سورة النساء، آية:19.
(1) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وصححه.
(1) متفق عليه.
(1) تفسير القاسمي (3/37).
(1) الورع لابن أبي الدنيا (ص:99)