بسم الله الرحمن الرحيم
فِقْهُ الفقرِ والمَسْألة
15 / 8 / 1446هـ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
إن من الفقه الغائب عن كثيرٍ من الناس، فِقهٌ غَفَلَت عنه القلوب، وتناءت عن استحضاره الأفئدة، فِقهٌ لا شيء يُقرِّب مثلُه إلى الله، ولا أنفع له في حياة السائرين منه إلى الله، فِقهٌ يُخْبِت القلوبَ ويرزُقُها التواضعَ والمسكنة، فِقهٌ يُربّي في النفس البُعدَ عن التكبرِ والإيذاء، فِقهٌ يورث في النفس الغنى، ويُكَرِّس في الروح حُبَّ القناعة، إنه فقه الفقر!.
الفقر التعبدي!
نعم. فقه الفقر. وذلك بأن تعتقد بأن كلَّ الناس فقراءُ إلى الله، وكلَّ موجود سوى الله فهو فقير إليه محتاج لكريم عطاياه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
أنت فقير في الإيجاد، ولولا خلق الله لك لما كنت في هذا الوجود أصلًا، ولما أُودِعتَ في أصلاب الرجال دهرًا، (هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا).
أنت فقير في المَدَد، فلولا مددُ الله لك بالرزق والقوة، والقوت والصحة، لكنت نكرةً من النكرات، ولولا غنى الله لكنت أضعفَ مخلوق.
أنت فقير في التعليم والعلم، ولولا علم الله وخِبرتُه لما صلح عيش لك ولا حياة، وَلَعَطِبَت العقول.
أنت فقير في صرف النقم ودفع البلايا والمحن، ولولا لطف الله وقوتُه لخَبَطَتْك المنايا والبلايا ليل نهار.
فما أحوجنا أن نَذْكُر شديدَ فقرِنا إلى الغني الذي لا أغنى منه، فكم نَسِيَت القلوبُ غناه-سبحانه- فأورثها ذلك النسيانُ التعبَ والنَكَد والجَهْد في هذه الحياة.
وإن من كمال غناك بالله ألا تسأل الناس الدعاء، بل أنت تطلب ربَّك وتناجيه، ولو عَلِمْتَ مدى فقرِك إليه وشديدِ لَجَئِك إلى سلطانه لَسَألْتَه فأجابك، وَلَتَوكَّلْت عليه فأعطاك، وَلَرَغِبْت إلى جودِه فأسعدك وأغناك، قال ﷺ: "منْ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ فَأنزلَها بِالناسِ، لمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، ومَنْ أنزلَها باللهِ، أوْشَكَ اللهُ لهُ بِالغِنَى"([1]).
الفقر الدنيوي من محن الدنيا.
عباد الله. دَعُونَا ننتقل مِن الفقر بالمفهوم العبودي إلى الله، إلى الفقر الدنيوي كظاهرة مجتمعية تعاني منها الدول ويقاسي مرارتَها الأفراد، لا شك أن الفقر جائحةٌ من جوائح العبيد، بل هو من فتن الدنيا وبلاء الحياة، فالله كما يبلو بالغنى فإنه يبلو بالفقر، (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً).
تعوذ النبي ﷺ من الفقر.
وقد جعل بعضُ العلماء الفقيرَ الصابرَ أعظمَ أجرًا من الغني الشاكر، وما ذلك إلا لشدة المأساة التي يجلبها الفقر على صاحبه؛ وكان من دعاء النبي ﷺ: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من الفقرِ والقِلَّةِ والذِّلَّةِ"([2])، فإن الفقر لربما جلب على المجتمع الشرَّ وقلةَ الورع، والوقوعَ في المآثم طمعًا في المال، وبحثًا عن كِسرةٍ من حياة، ورَمَقٍ من عيش، "وإنه ما افتقر رجلٌ قط إلا أصابته ثلاثُ خصال: رقَّةٌ في دِينه، وضعفٌ في عقله، وذهابُ مروءته، وأخطر مِن هذه الثلاث: استخفافُ الناس به"([3]) تأمل دعائه ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع"([4])، فبئس لحافًا يَلْتَحِفُ به المرءُ فقرُه وهوانُه على الناس.
اقتران الكفر والفقر.
وقد جَمَعَتْ بعضُ النصوص اقترانَ الكفر بالفقر، بيانًا لشدة ما يُفضي الأولُ على الثاني، وكان أبو بكرة يتعوذ بالله من الكفر والفقر ثلاثًا في الصباح، وثلاثًا في المساء ويقول: سمعت النبي ﷺ يتعوذ منهن صباحًا ومساء ويقول: "اللَّهمَّ إنِّي أَعوذُ بكَ منَ الكُفرِ والفَقرِ" ([5])، وقديمًا قالوا: "كاد الفقر أن يكون كفرًا"([6]).
فالفقر كنز البلاء، وهو الموت الأحمر، ولا يُدرَى أيهما أَمَرُّ؟ موتُ الغني أم حياةُ الفقير، فالفقير حيٌّ كميت، غِذَاؤه الخوى، وعَشَاؤه الطَّوَى([7]).
ميزان الغنى والفقر لدى الإسلام.
عباد الله. إن السيادة الدنيوية لا أثر لها، والغنى المالي لا ميزان له، وإنما الموازين عند الله بالقلوب المتعلقة بالآخرة، وإن كانت فقيرة، مرَّ رجل على النبي ﷺ فقال ﷺ لرجل عنده جالس: "ما رأيك في هذا؟" فقال الرجل: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن يُنكَح، وإن شَفَعَ أن يُشفَّع. فسكت رسول الله ﷺ ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ: "ما رأيك في هذا؟" فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنْكَحَ، وإن شفع ألا يُشَفَّعَ، وإن قال ألا يُسْمَعَ لقوله، فقال رسول الله ﷺ: "هذا خيرٌ مِن ملء الأرض مثل هذا"([8])، فالغنى والفقر لا يقربان إلى الله، وإنما القربى بتفاوتِ ما في القلوب.
تصدي الإسلام لمشكلة الفقر.
عالج الإسلام قضية الفقر منذ طلائع النبوة الأولى، يوم كان في مكة، فكانت الآيات تنزل على النبي ﷺ محذرة من صفات المُكذِّب بالدين وأنه شحيح بخيل، مجحف في حق اليتامى والمساكين، فقال تعالى: (أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ).
ومنظور الإسلام عن المال أنه مال الله، وأن الناس مُستَخلَفُون فيه، فإنما المال وديعةٌ، قال تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)، ثم هذه الحقوق ستكون تحت الحساب، ومظلةِ الثواب والعقاب: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، فلم يأت الإسلام لجعل المال بين الأغنياء فحسب، ولا أن يسلب الأغنياءَ مالهم فيجعلَهم هم والفقراءَ في حدٍّ سواء، بل أخبر أن في مال الغني حقًا للفقير، ولولا ذلك لكان المالُ بيد الأغنياء دون الفقراء، ولكان بِيدِ فئةٍ قليلة من الناس، وهذا تأباه حكمة الله: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) أي: مداولةً ﴿ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ ولو تداولته الأغنياء، لكان في ذلك من الفساد، ما لا يعلمه إلا الله.
إن نظرة الإسلام لسد حالة الفقير نظرةُ رحمةٍ وشفقة، وكان من كلامهم أنك ما وَجَدت فقيرًا إلا وَجَدت بجانبه غنيٌّ ضيع حق الله له، قال معاوية-رضي الله عنه-: "ما رأيتُ سَرِفًا قط إلا وإلى جانبه حقٌّ مُضَيَّع"([9]).
آداب الفقر.
وللفقر آدابٌّ يتحلى بها الفقير، فمنها:
1-أدب الباطن، وذلك بأن لا يكون متسخطًا لقضاء الله وقَدَرِه، فالله أعلم بما يُصْلِحُ الناس، فإن الإنسان بطبعه يحب الطغيان متى ما استغنى: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) العلق: ٦ – ٧، فلعل فقرَه هو خيرٌ له في آخرته.
ومن الآداب التي يتحلى بها الفقير:
2-أدب الظاهر، بأن يُظهِر التعفف والتَّجمُّل، ولا يظهرَ الشكوى والفقر، بل يَسترُ فقرَه وعَوَزَه، فهؤلاء هم الفقراء الأغنياء: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) البقرة: ٢٧٣ .
ومن الآداب التي يتحلى بها الفقير:
3-أدب السؤال، فإن الفقير يُحرَّم عليه السؤال إلا عند الضرورة، أو الحاجةِ المهمة، وسؤالُه الناسَ فيه ثلاث مضار: أ- إظهار الشكوى لغير الله. ب-أن في سؤاله الناسَ إذلالٌ لنفسه، وليس للمؤمن أن يُذِلّ نفسه لغير الله. ج-أن السؤال لا ينفك عن إيذاء المسؤول غالبًا.
وليتذكر السائلُ أن سؤال الناس تَكثُّرًا يُعَدَّ من عظائم الأمور، وذلك بأن يسأل ما ليس له به حاجة، وإنما ليُكثِّر مالَه، ويجاريَ الأغنياء، قال ﷺ: "من سأل الناس أموالهم تَكثُّرًا، فإنما يسأل جمرًا"([10]). وكم من الفقراء من شغلهم فقرُهم عن طاعة الله، والتوكلِ عليه، والرغبةِ إليه، إلى أكل أموال الناس بالباطل، والاحتيال عليهم.
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله.
تحذير السلف من التسول في المساجد وغيرها.
ومع ضعف الديانة، وانتشار قلة الإيمان والصيانة، كثر بين الناس من يدعي الحاجة، وامتلأت العيون بأثواب الفقر الخادعة، حتى صار الكذبُ عند الكثير يَغْلِب عدد الشعر، قال الإمام أحمد: "أكذب النَّاس الْقُصَّاص وَالسُّؤَال"([11]).
وكان السلف رحمهم الله يتناهون جدًا عن سؤال الناس، ويرونه عيبًا، قالت أم الدرداء قال لي أبو الدرداء: "لا تسألي الناس شيئًا". فقلت: فإن احتجتُ؟ قال: "فإن احتجتِ فتتبعي الحصَّادين فانظري ما سقط منهم فاخبطيه، ثم اطحنيه ثم كليه، ولا تسألي الناس شيئًا" ([12]).
وكانوا يرون أن السؤال في المسجد مشقةٌ على الناس، وإلحاحٌ مخرج عن الأدب، قال الإمام أحمد: "من صلى في المسجد، فقام، فأعطاه الناسُ شيئًا؛ فقد ألح في المسألة"([13]).
وعلى المحتاج أن يتق الله ويطلبَ الرزق بيده، وأن يدع الكسل والتواني، فكسب اليد أعظم بركة، قال ﷺ: "لَأَنْ يَغْدُوَ أحَدُكم فَيَحْتَطِبَ على ظَهرِهِ، فيَتَصَدَّقَ مِنهُ، ويَسْتَغْنِي به عنِ النَّاسِ، خَيرٌ له من أنْ يَسألَ رَجُلًا، أعطاهُ أو مَنَعهُ"([14]).
عمرُ يضرب متسولًا بعد الصلاة!
إن ظاهرة التسول غدت من أعمال التجارة، مهددةً للأمن القومي، حتى دخل في التسول الاتجارُ بالبشر.
سمع عمر سائلًا يسأل بعد المغرب، فقال لواحد من قومه: "عَشّ الرجل"، فعشَّاه، ثم جاء السائل في وقت آخر وأخذ يسأل الناس، فنظر عمر، فإذا تحت يد السائل مِخلاةٌ (أي كيس) مملوءةٌ خُبزًا، فقال له عمر: "لستَ سائلًا ولكنك تاجر"، ثم أخذ المِخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة، وضربه بالدِّرة وقال: "لا تَعُد"([15]). "وَلَوْلَا أن سُؤَالُهُ كَانَ حَرَامًا لَمَا ضَرَبَهُ وَلَا أَخَذَ مِخلاته"([16]).
التسول في المساجد مُحرَّم في بعض المذاهب!
وقد كره العلماء التسول في المساجد، وكرهوا التصدق عليهم فيها، قال البهوتي: "يُكْرَهُ سُؤَال الصَّدَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَكْرُوهِ"([17])، بل حرَّم الحنفية التسول في المساجد، وعلق الشافعية التحريم إذا كان المتسول مُحْدِثًا جَلَبَة في المسجد([18]).
متسولةٌ مات وتركت الملايين!
وإنا لا ننسى ذلك الخبرَ، والذي كان حديثَ الناس يوم أن توفيت امرأةٌ في بيت شعبي، وقد امتهنت التسول 50 سنة، وتركت تركة تقدر بثلاثة ملايين ريال سعودي، ومجوهرات وجنيهات ذهبية بما يعادل مليون ريال سعودي([19])، وليس لنا حيال ذلك إلا أن نتذكر حديثَ النبي ﷺ: "ما يزالُ الرجلُ يَسألُ الناسَ، حتى يأتيَ يومَ القيامة ليس في وجهه مُزعةُ لَحْم"([20]).
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) رواه أحمد وأبو داود.
(1) رواه أحمد وأبو داود، وقوى إسناده الذهبي.
(2) إحياء علوم الدين (2/62).
(3) رواه أبو داود.
(1) رواه النسائي.
(2) لا يصح مرفوعًا عن النبي H بل جاء عن بعض السلف.
(3) انظر: التمثيل والمحاضرة، للثعالبي (ص:395)
(1) متفق عليه.
(1) عيون الأخبار، لابن قتيبة (1/454).
(1) رواه مسلم
(2) الآداب الشرعية (2/82).
(1) علوم الإمام أحمد (10/260)
(2) المرجع السابق.
(3) رواه الترمذي.
(1) إحياء علوم الدين (4/211).
(2) من كلام الغزالي في المرجع السابق (4/211).
(1) كشاف القناع (2/371).
(2) الفقه على المذاهب الأربعة (1/263).
(3) جريدة الشرق 18/3/2014
(3) رواه البخاري.