مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:30:04

ألم نجعل الأرض كفاتا

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا)

14 / 1 / 1444هـ

إن الحمد لله...

مستقر ومتاع.

        مخلوق، وأيَّما مخلوق! مخلوقٌ أوجده الله قبل خلق الإنسان، وجعله من آياته العظام الضخام، وجمَّله كأحلى شيء في وجود عقل الإنسان، وملأه بالأعاجيب والألوان والأسرار، حتى عجز الإنسان عن كشف كُنْهِه، وسَبْرِ غَوْرِه، أقسم الله به في كتابه، وجعله من أروع براهينه ودلائله وآياته، وجعله زاخرًا بالعوالم والأمم، والشعاب والأودية والقمم، ففي هذا المخلوق تتجلى دقائق الصانع، فتبهر كلَّ معاند ومكابر ومُمُانِع، ارتبط ذكر هذا المخلوق ببداية قصة أبي البشر آدم عليه السلام حين اهبطه الله عليها.

        أتدري ما هذا المخلوق؟ إنها الأرض، التي جعلها الله مكانًا مؤقتًا للبشرية حتى يرجع الناس إلى موطنهم الأصلي الذي نزل منه أبوهم آدم، (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) البقرة: ٣٦ ، وتأمل قولَه تعالى: (مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) " فيها أن مدة هذه الحياة، مؤقتة عارضة، ليست مسكنًا حقيقيًا، وإنما هي معبر يُتَزوَّدُ منها لتلك الدار، ولا تُعمَرُ للاستقرار" ([1]).

خلقت الأرض بالحق.

إن الله لما خلق الأرض لم يخلقها عبثًا ولهوًا، وإنما خلقها لغاية عظيمة نصَّ عليها في كتابه فقال: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) الأنعام: ٧٣ ، ومعنى بالحق أي:" لم يخلقها باطلاً بغير معنى، بل لمعان مفيدة ولحقائق بينة منها ما يحسه البشر من الاستدلال بها على الصانع ونزول الأرزاق وغير ذلك"([2]).

( بِالْحَقِّ ) نعم! إنها حقيقة ضخمة، خلقها بالحق، حتى يوحدَه الناس، ويعظموه، ويعلموا أن الحق ملازمٌ لخلق الأرض، لم (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الحج: ٦، فإذا كان الله هو الحق فكلُّ ما خلقه هو حق، و كلُّ ما أمرك به هو حق، فلذا أهل الحق لا يشكون في دينهم، ولا يخورون عن مبادئهم، ولا يستسلمون عن قيمهم، لأنهم على أرض الحق، ولأن دينَهم دينُ الحق، ولأن ربَّهم هو الحق المبين: (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) الأنعام: ٧٣ .

قصة خلق الأرض.

        ولما أراد الله خلق الأرض، خلقها على نحوٍ يتعلم الناس منه التُّؤدة والطمأنينة، فعن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله بيدي، فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من النهار، فيما بين العصر إلى الليل"([3]).

        وتأمل هذا التناسقَ العجيب، والحكمةَ المُبهرة في خلق الله للأرض، فأولاً: خلق الأرض، ثم ثبتها بالأوتاد، ثم أودع فيها الشرور، ثم قابل ذلك بخلق النور، والذي تحصل به المدافعة والابتلاء، ثم خلق آدم وأهبطه، لتكون الأرضُ هي مسكنُه من غير ديمومة، وهنا تبدأ الحكاية، حكاية الخير والشر، حكاية السلم والحرب، حكاية الحب والكراهية، حكاية الشح والإيثار، حكاية الأمانة والخيانة، وكل ذلك بعلم الله، لا يخفى عليه شيء،( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) الأنعام: ٣  

اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار

وأنزل علينا موجبات رضاك عنا

واجعلنا من أهل التذكرة والادكار

 

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ) لمرسلات: ٢٥.

        إن الناظر في كتاب الله ليجد أن الله في كتابه وصف الأرض بما يُدهش العقول، ويثيرها للتفكر، ويبعثها على التأمل، والحديث عن ذلك طويل الذيل بعيد النيل.

        ولنقف عند معنى واحد من تلك المعاني التي تحدث فيها القرآن عن عظمة الأرض، وعن بعضِ حكمةِ خالقِها وفاطِرها وبارئِها، قال تعالى:

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (المرسلات: ٢٥ – ٢٨.

من غايات التكرار لقوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)

         والملاحظ أن هذه الآيات جاءت في سورة المرسلات، والتي تكررت فيها (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) عشر مرات، وهذا أمر ملفت للنظر، وداع للتأمل.

ولعل من الحكم في ذلك التكرار: أن (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) تأتي بعد كل أمر كذب به المشركون، فهي كالفواصل بين الأمور العظيمة التي خلقها الله، أو أمر بها، ثم كذب بها الكافرون، فلذا ختم بعد كل أمر عظيم بقوله: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) ، كالمهدد والموبخ لمن كذب وأنكر.

الأرض مكان عيش الإنسان.

 ولما ذكر الله الأرض وبعضَ الحكم الغائبة عن عقول الكافرين هددهم بقوله (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) ، قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ( المرسلات: ٢٥ – ٢٨، فالله جعل الله الأرض كفاتًا، لمن؟ للأحياء على ظهرها، وللأموات في بطنها، والكفت: الضم، فالأرض هي المكان الذي ينظم فيه الناس، ويستقرون، ويعيشون، كما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ)  البقرة: ٣٦، ومحاولة أن يعيش الإنسان على غير الأرض محاولاتٌ بائسة، كالذين يحاولون أن يوجدوا عيشًا على المريخ، أو في كوكب طائر إنما عبثًا يلعبون ويخوضون؛ لأن الله قال في كتابه: ( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) الأعراف: ٢٥([4])، ولا يلزم من كون حياة البشر على الأرض الحكمُ بفشل الرحلات إلى كوكب المريخ أو ما شابه، وإنما الاستقرار العام في عيش البشر إنما يكون على الأرض لا في غيرها، فأين يجدون كأنهارها وجداولها، وأين يجدون مثل هوائها ونقائها، وأين يجدون مثل كنوزها وطعامها وشرابها.

مشروعية دفن الإنسان.

وفي قوله تعالى من الحكم والغايات (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)    امتنانٌ من الله على خلقه بأن جعل الأرض صالحة لدفن الأموات، كما ألهم اللهُ ابنَ آدم حين قتل أخاه، فيؤخذ من الآية وجوب الدفن في الأرض، وعليه فلا يجوز إحراق الميت كما يفعل مجوس الهند، وكان يفعله بعض الرومان، ولا وضعه لكواسر الطير كما كان يفعل مجوس الفرس، وكان أهل الجاهلية يتمدحون بالميت الذي تأكله السباع أو الضباع وهو الذي يموت قتيلا في فلاة، وهذا من جهالة الجاهلية وكفران النعمة([5])، فلذا قال الله في نهاية هذا المقطع (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ)

فاللهم إنا نعوذ بك من الشك، والشقاق، وسيء الأخلاق، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  تفسير السعدي ( ص:49 ).

([2])  تفسير ابن عطية (2/308).

([3])  رواه مسلم.

([4])  انظر: تفسير ابن عثيمين لقوله تعالى في سورة البقرة: (ولكم فِي ٱلۡأَرۡضِ مستقرࣱ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِینࣲ).

([5])  انظر: التحرير والتنوير (29/433).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة