بسم الله الرحمن الرحيم
الرؤى والمنامات (2)
24 / 6 / 1446هـ
الحمد لله أتقن كلَّ شيء، وأبدعَ في ملكوت كلِّ شيء، خلق السماءَ بغير عمد، وجعل الأرض بساطًا لكل أحد، أشهد أن لا إله إلا الله، الأحدُ الصمدُ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد، جعل الليلَ لباسًا، والنوم سباتًا، والنهار معاشًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، وصفيُّه وخليلُه، وأمينُه على وحيه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
الرؤى من عجائب صنع الله.
هي "من عجائب صنع الله تعالى، وبدائعِ فطرته في الآدمي، وهي من أوضح الأدلة على عالمِ الملكوت، والخلقُ غافلون عنها"([1]). إنها عالمٌ مستقلٌ من الألغاز والأسرار، تشغل الذهن، وتملأ المَخِيلَة، وقد عظَّمها الله في كلِّ الكتب المُنزَّلة، وليس من فنون العلوم، وما يمارسه الناس من صنوفِ الحِكَم شيءٌ أغمضَ ولا ألطفَ ولا أجلَّ، ولا أشرفَ، ولا أصعبَ منها.
إنها الرؤى والمنامات؛ لأنها من الوحي، وهي ضَرْبٌ مِن النبوة ([2]).
وفي نهاية الزمان تكون أصدقُ الرُّؤى الرؤيا التي يراها المؤمن، قال ﷺ: "إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ" رواه مسلم.
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال لعائشة: "أُرِيتُكِ فِي المَنامِ مَرَّتَيْنِ (أي رآها في المنام مرتين قبل أن يتزوجها)، إِذَا ملك يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ (أي: في قطعة من حرير)، فَيَقُولُ: هذِهِ امْرَأتُكَ. فأكْشِفُها فإِذَا هيَ أنْتِ، فأقُولُ: إنْ يَكُنْ هاذَا مِنْ عِنْدِ الله يُمْضِه" أي: إن كانت الرؤيا على ظاهرها فستكون عائشةُ زوجَ النبيﷺ، فوقعت الرؤيا كما رآها ﷺ.
الرؤى بين انحراف الجاهلية وإنكار الملاحدة.
إن عالم الأحلام من العوالم العظيمة، التي أشغلت البشر، وكانت لها الهيمنة في الجاهلية، ولهم معها عقائدُ ومعتقداتٌ منحرفة، فجاء الإسلام فهذَّب كلَّ ذلك، وجعل لها قواعدَ وأحكامًا وآدابًا.
ومن غرائب الأخبار التي وقعت قبل البعثة، أن أحد الرهبان في الجاهلية رأى رؤيا، وأن تعبيرَها حُكْمُ عمرَ بنِ الخطاب، وأنه سيحكُمُ ويملِكُ مُلكًا عظيمًا، وكان هذا الراهب من أيام الجاهلية وهو يتربص في أمر عمر، وينتظر وقوع رؤياه([3]).
إن للرؤى والمناماتِ واقعًا له أثرُه في حياة الناس، ويعكس مدى أحوالِهم وتصوراتِهم، فمَنْ صحَّ منامُه كان ذلك منامًا من الله، وكان دالاً على صحة مزاجِه، وسلامة منْطِقِه، وقُربِه للصدق، وبُعدِه عن الكذب قال ﷺ: "إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" رواه مسلم.
لكنَّ المنامات في نظر الفلاسفة والملاحدة لا تعدوا أن تكون خليطًا من الرواسب التي تكونت في ذاكرة الإنسان، فهم بهذا المعنى يُنكرون المنامات، وهذا كلام باطل.
أما الإسلام فَقسَّم الرؤى كما قال ﷺ: "فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ"([4]).
أما الرؤى التي لا معنى لها، أو هي من قبيل تلاعب الشيطان فإنها لا تضرُّ المؤمن، ولا يُحدِّث بها، جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي ضُرِب فتدحرج، فقال ﷺ: "لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ"([5]).
اهتمام الإسلام بالرؤى والمنامات.
وإن للرؤيا أهميةً بالغةً في منظور الإسلام، جعل لها أُطُرَا لا تُخَالَف ولا تُعارَض.
بوَّب البخاري في صحيحة (باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح)، وكان النبي ﷺ إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه، فقال: "هل رأى أحدٌ منكم البارحة رؤيا؟".
وكلُّ ذلك يدل على شريفِ هذا العلم، وعظيمِ مكانته، فكونُهﷺ يبدأ أحاديثَه بعد صلاة الصبح بتعبير الرُّؤى يدلُ ذلك على أهميةِ طلبِ الرؤى وتعبيرِها: "ولِيَتعلم أصحابُه ﷺ كيف الكلام في تأويلها...، وحسبك بيوسف -عليه السلام- وما أعطاه الله منها" ([6]).
ولهذا من أسباب اختيار النبيﷺوقتَ تَنَفُس الصُّبحِ لتعبير الرؤى لكونِ البالِ في ذلكم الوقت مجتمعًا، والذِّهنِ صافيًا ([7])، ولقربِ عهد الرائي بما رأى في منامه.
التشديد على عدم التعبير لمن لا يحسن اللغة والتعبير.
إن علم التعبير فيه كثير من الفِراسة، وهو عِلمٌ يُوهب من الله لمن شاء من عباده، وكان عمر رضي الله عنه يقول: "أحسنوا عبارة الرؤيا، وتعلموا العربية"([8])، وكأنه بذلك -رضي الله عنه- يُشدِّد على ألّا يدخُل في باب التعبير إلا من يجيدُه، ومِن أهم طرائق إجادة التعبير تعلُّمُ اللغةِ العربية، فمن ليس لديه علم بالعربية فلا يتجاسر على التعبير.
وإن تعبير الرؤيا من الفتوى، لقوله تعالى: (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) يوسف:٤٣، سُئل الإمام مالك: أَيُعبِّر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال: "أَبِالنُّبوة يُلعَب؟".
وبعضُ الناس إذا رأى رؤيا هَرَع إلى المواقع، أو الكتبِ يبحث عن تفسيرها، ثم يُعبِّرها لنفسه بما قرأ أو سمع من تلك المقاطع والصوتيات "فلا يجوز له تعبيرُها بمجرد ذلك، فهو حرام؛ لأن الرؤى تختلف باختلاف الأشخاص، والأحوال، والأزمان، ولذلك سأل رجلٌ ابنَ سيرين بأنه رأى نفسه أذَّن في النوم، فقال له ابنُ سيرين: تَحُجُّ! وسأله آخر بنفس الرؤيا، فقال له ابنُ سيرين: تَسرِق، وتُقطَعُ يدُك، فوقعت كلتا الرؤيتين، فقيل لابن سيرين: كيف عبَّرتها بتعبير مختلف، مع أنهما متطابقتين؟ فقال: رأيتُ هذا سِيْمَتُه وهيئتُه حَسَنَة، فقلت له: تحج. والله يقول: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) الحج: ٢٧ ، ورأيت الآخر سِيْمَتُه وهيئتُه قبيحة، فقلت: تسرق، وتقطع يدُك، والله يقول: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) " ([9]).
فاللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاةَ الدائمة في الدنيا والآخرة، اللهم عافانا فيمن عافيت، واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم كثر أموالنا، وبارك لنا فيما رزقتنا.
الخطبة الثانية: الحمد لله...
الاتكاء على الرؤى والقعود عن العمل.
إن من الأمور التي لا تُحمَد، والعواقبِ التي لا تُرتضَى اشتغالُ الناس شُغُلاً شديدًا بالرُّؤى والأحلام، حتى أصبحت المنامات هي مَن يُحرِّكُهم، والرؤيا هي مَن تُقعِدُهم، فلا عمل ولا مثابرة، بل انتظار لرؤى تحدد مصيرَهم، فتعلقوا بالأوهام، وتركوا العمل في اليقظة، فبذلوا لذلك أوقاتًا وأزمانًا.
الاتجار بالتعبير وطلب الشهرة بذلك.
ونحن في زمن أصبح للتعبير فيه سوقًا رائجة، وتجارةً سائحة، وكَثُر على ذلك مُدَّعِي التعبير، ودخل فيهم المتسلقون على هذا العلم يبتغون شهرةً، أو يلتمسون مالاً، بل دخل في تعبير الرؤى الدجالون والكذابون، وتنوع إيصال ذلك التعبير بين صحف، وجوالات، وفضائيات.
تحريف الدين عن طريق الأحلام.
وإنّ من الناس من بنى على الرؤى كثيرًا من الضلالات، وشرَّع لأجلها كثيرًا من البدع والخرافات، يقول أحدُ المتصوفة، رأيت النبي ﷺ يقول لي: إنْ كانت لك حاجة فانذِر إلى نفيسة، أي: قَرِّب قربانًا إلى (السِّت) نفيسة، وهو ضريحُها المعروف بمصر، ولا شك أن هذا الصوفي لم يرّ النبيَّ ﷺ، بل رأى تلاعبَ الشيطان به، فأمره بالضلال الخرافة، فحاشا للنبي الكريم ﷺ أن يأمر بالشرك، أو يدعو له.
فاللهم إن نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغقرَ لنا وترحمَنَا، اللهم زدنا ولا تُنقِصنا، وأكرمنا ولا تُهنّا، وأعطنا ولا تَحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا يا رب العالمين... .
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) إحياء علوم الدين (4/504) بتصرف يسير.
([2]) انظر: عبارة الرؤيا، لابن قتيبة (ص:72).
([3]) انظر: تاريخ دمشق (64/294).
(1) رواه الشيخان.
(2) رواه مسلم.
(1) الاستذكار، لابن عبدالبر (8/456).
(1) فتح الباري، لابن حجر (14/390).
(2) فضائل القرآن، لأبي عبيدة (ص:350).
(1) حاشية العدوي (2/660) بتصرف يسير.