مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:26:30

الشيطان

            بسم الله الرحمن الرحيم

معركة الشيطان

                5 / 8 / 1445 

الحمد الله أما بعد:

ألد الأعداء، وشانئ الكرماء، ليس عدوًا أخطرُ منه، وهو في ظلك، ومن حولك، يريد لك أبشع النهايات، وأقسى العقوبات، إنه الشيطان، الذي يراك ولا تراه (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)  الأعراف: ٢٧، إنه الشيطان الذي يتدخل في كل أمورك، قال: "إنَّ الشَّيْطانَ يَحْضُرُ أحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شيءٍ مِن شَأْنِهِ"([1]).

لا زال الشيطان منذ أن خلقه الله وهو ساع في عمل المضرة، وباغ في إبعاد المسرَّة، فكم من عمل شائن اقترفه، وكم من مكر في خُفية ارتكبه منذ أنزل الله تحذيره لآدم وزجِه: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ) طه: ١١٧، فكانت النتيجة: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) البقرة: 36، وحذر إبراهيم أباه فقال: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) مريم: ٤٤، ودعا أيوب ربه فقال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) ص: ٤١، حتى هجره البعيد والقريب، ولما ملأ الشيطانُ القلوبَ بالحسد قال يوسف: (نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) يوسف: ١٠٠، ونسي صاحبُ يوسف في السجن أن يذكر مظلمته عند الملك: (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) يوسف: ٤٢، مرورًا بما ارتكبه موسى من الوكز والقضاء على الفرعوني، فقال: (قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) القصص: ١٥، فلذا لاذت امرأت عمران بربها من الشيطان أن يتسور ابنتها مريم فقالت: ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) آل عمران: ٣٦.

وهذا حال الشيطان معكم أيها البشر منذ عقود الأزل، يجالسكم مُرغِّبًا لكم في القبائح، مُنفِّرًا إياكم عن الخيرات السوانح (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) النساء: ٣٨، فإغواء الشيطان ليس له على البشر قعر، ولا يُعرَف له على الإنسان حد، فإغواؤه خطير بعيد (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) النساء: ٦٠، لكن من ذا الذي يعصمك منه إلا الله، ومنذ الذي يخرسه عنك إلا الله، (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء: ٨٣، اسرق؛ لتكسب مالًا، اضرب؛ لتشفي غلاً، اقتل؛ لتأخذ ثأرًا، اغتب؛ لتُحطّ قدرًا، أماني شيطانية وأمالي عدوانية: ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) النساء: ١٢٠.

قال الشيطان لربه في بداية خلق الخلق: (أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) الإسراء: ٦٢، (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، هو من قول العرب حَنَّكَ الدَّابَّةَ، إذا جعل في حَنَكِهَا الأسفل حبلاً (أي في فمها حبلاً) يقود الدابة به، وهذا تشبيه غريب، وتصوير عجيب، لكنه في الواقع له شواهد ومشاهد، فكم احتنك وركب الشيطان أظهر بني آدم، واقتاد أناسًا اقتياد الدواب، فوجه فلانًا للقتل، وقاد آخرَ للسكر، ولوى ثالثًا للعهر، فساق كثيرًا من البشر إلى التفرق والتباغض، فوجههم حيث شاء وقادهم حيث أراد.

        ولم يقل الشيطان (لأحتنكن آدم)، وإنما قال: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)، لأنه انتهى من إغواء آدم، وأخرجه من  الجنة، "فقد شفى غليله منه وبقيت العداوة مسترسلة في ذرية آدم"([2]).

ومِن أصدق استثناءات الشيطان استثناؤه يوم قال: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا)"عرف الخبيث أنه لا بد أن يكون من البشر من يعاديه ويعصيه"([3])، ومَن هؤلاء القليل الذين عناهم الشيطان؟ هم من قال عنهم: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الحجر: ٤٠، فالمُخلَصون لا يعمل كيدُ الشيطانِ فيهم، ولا تقبل قلوبُهم الوسوسة تنخر في دواليهم.

 عباد الله الشيطان قد ظن ظنًا، وكان ظنُّه مُريعًا، حيث قال: (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) الأعراف: ١٧، فزعم الشيطان أن أكثر الخلق سيتأثرون من سطوته، وينكفئون إلى ضغطته، فهل صَدَق ما توقع؟ أسمع ماذا قال الله عن ظن الشيطان: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) سبأ: ٢٠، قال الحسن البصري: "لما أهبط الله آدم وحواء من الجنة، هبط  إبليس فَرِحًا، وقال: إذا أصبتُ من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله عز وجل: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) فقال عند ذلك إبليس: "لا أفارقُ ابنَ آدم ما دام فيه الروح، أعده وأمنيه وأخدعه". فقال الله: "وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له"([4]).

فاتبعه أكثر الخلق، ونسو وعد الرحيم الرب: "والله ما ضربهم الشيطان بعصا، ولا أكرههم على شيء بلظى، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه"([5])، ثم يوم القيامة يقول (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم)إبراهيم: ٢٢

أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية: الحمد لله...

ثم إذا خلا لك شيطانك، وتناءيت عن شياطين الخلق، فعلاج شيطانِك حيث قال الله: (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) الأعراف: ٢٠٠، وبعض الناس يهرع إذا أصابه شيء إلى لعن الشيطان أو سبه: يقول: لعن الله شيطانك، أو قلع الله الشيطان، أو أخزى الله الشيطان، وكل ذلك يُفرِح الشيطان، قال أحد أصحاب النبي:"كنتُ رديفَ النبيِّ فعثرت دابةٌ، فقلتُ: تَعِسَ الشيطانُ، فقال: لا تقل تَعِسَ الشيطانُ؛ فإنك إذا قلتَ ذلك تعاظمَ حتى يكونَ مثلَ البيتِ، ويقولُ: بقوتي صرعته، ولكن قل: بسمِ اللهِ؛ فإنك إذا قلتَ ذلك، تصاغرَ حتى يكونَ مثلَ الذبابِ"([6]).

وليتذكر العبد أن الشيطان لا يقوى على ذكر الله، فإن الذكر قمعٌ لشيطانك، وقوة لإيمانك، قال رسول الله : "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط، حتى لا يسمع التأذين"([7])، وفي رواية عند مسلم: "أدبر الشيطان وله حُصاص"، أي يعدوا عدوًا شديدًا هلعًا وخوفًا وانزعاجًا من ذكر الله.

       قال في بيان شيء من تاريخ الخلق، وأن أول لقاء من الشيطان لآدم، لما كان آدم جسدًا بلا روح فقال : "لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ في الجَنَّةِ تَرَكَهُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إبْلِيسُ يُطِيفُ به، يَنْظُرُ ما هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أجْوَفَ عَرَفَ أنَّه خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمالَكُ"، وفي رواية قال الشيطان: " ظفرتُ به؛ خلقٌ لا يتمالكُ"([8]).

أخذ إبليس يدور على جسد آدم ويستكشف، فلما رآه أجوف، عرف إبليس أن هذا الجسد لا يتمالك، والأجوف لا قوة له ولا ثبات، وسرعان ما يتزلزل ويتغير، فيا عبد الله أملأ جوفك بـ (لا إله إلا الله)، وإياك أن يكون جوفُك خالٍ فيملأه الشيطان، فإن كل وعاء مملوء، فهؤلاء الذين امتلأت بواطنهم بالخير، واستوعبت افئدتهم حبُّ الطاعات هم عباد الله الذين قال تعالى عنهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) الحجر: ٤٢، وتذكر أن الشيطان مهما استطار، وبشره أثار الغبار فقد وصف الله لعبه فقال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء: ٧٦ ، لأن الشيطان لا يقاتلك رجاء الثواب أو خوفًا من العقاب، فلذا كان واهنًا ضعيفًا، أما المؤمن فهو يصمد ويتصبر لأنه يعلم أن عاقبة العواقب خيرٌ له وأبقى.

فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم وفق ولي أمرنا لكل ما تحبه وترضاه، اللهم واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 

 


([1]) رواه مسلم.

([2]) التحرير والتنوير (15/151).

([3]) تفسير السعدي (ص:461).

([4]) أخرجه ابن أبي حاتم، وأروده ابن كثير في التفسير (6/513).

([5]) من قول الحسن البصري(بتصرف يسير) وأروده ابن كثير في التفسير (6/513).

([6]) رواه أبو داود.

([7]) متفق عليه.

([8]) رواه مسلم.

المضاف حديثا

خطب ذات صلة