مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:26:46

الصوت أحكام وأخبار

بسم الله الرحمن الرحيم

الصوت (أخبار وأحكام)

2/ 6 / 1445هـ

        إن الحمد لله...أما بعد:

نعمة الصوت

        من مخلوقات الله التي نسمعها ولا نراها، تُفرح أحيانًا، وتُبكي أحيانًا أخرى، مخلوقٌ جعله الله منطلِقًا عبر الأثير، منقولاً عبر الهواء الطلق، تشترك فيه كل المخلوقات، بوقوعه تُكتب الحسنات والسيئات، وبأصدائه يُفهَم الخطاب ويُرَدُّ الجواب، إنه الصوت، من أدق مخلوقات الله، وأبهرها صنعًا، حُزمٌ صغيرة من النسيج الرقيق على امتداد حنجرة الإنسان، تتفاعل مع تنفسه، فتخرج الحروف والكلمات والجمل.

        إن الصوت أكثرُ تعقيدًا مما نتصور، فهو بصمة للإنسان، إذْ لكل واحدٍ صوتُه الذي يُميزه، فلو تكلم من وراء جدار لعُرف، فالتوأمان يتشابهان في لون البشرة، والشعر، وتقاسيم الوجه، والطول، ولكن يختلفان في نبرة الصوت "فخالف الله عز وجل بين أصوات البشر حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس، ولا جهارة، ولا حِدَّة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لَكْنَة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله"([1]).

بهذا الصوت يتفاهم المخلوقات، وتنتظم معايشهم، فهم يُعبِّرون به عن دواخلهم، وأشجانهم، ومشاعرهم.

(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) الروم: ٢٢. فسبحان من خلق الأصوات، وخالف بين الألسِنة، فإن في تعدد اللغات من غرائب صنعه، وعجائب براهينه، الأمرَ العُجاب، هواء يخرج من الفم، يتشكل منه آلاف اللغات: من عربية، وفارسية، وغربية، وشرقية.

أدب الصوت.

        من أعظم آداب الصوت أن لا يرفع الإنسان صوته عندما يستمع لحديث النبي، فمن توقيره خفض الصوت في حياته، وعدم الجهر بالصوت إذا تُلي حديثُه بعد وفاته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) الحجرات: ٢ ، كما أن من الأدب ألا يُجهر بالصوت عند قبره أيضًا ﷺ.

صوت الجوع.

        وإن من الأصوات التي تذكرها العرب، وتكون علامة على حالةٍ صعبة للإنسان: صوت الجوع، فإذا جاع الإنسان ضعف صوته واعترى البدنَ حالة من الهُزَال بسبب قلة الطعام، وصوت الجوع صوت سمعه أبو طلحة من رسولِ.

رسولُ الله الذي لم يشبع من خبز الشعير في يومين متتابعين حتى قُبض، فقد دخل أبو طلحة على زوجته فقال لها: لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم دسته تحت ثوب أنس بن مالك وكان صغيرًا، قال أنس: فذهبت بأقراص الشعير إلى رسول الله، فوجدته في المسجد ومعه الناس، فقال لي رسول الله : «أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، قال: «بطعام؟» فقلت: نعم، فقال رسول الله لمن معه: «قوموا» فانطلق حتى جاء بيت أبي طلحة، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم! فقال رسول الله : «هلمي يا أم سليم، ما عندك» فأتت بذلك الخبز، فأمر به فَفُتَّ، ثم قال فيه رسول الله ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم أذن لعشرة فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم ثمانون رجلا، رواه البخاري على أقراص شعير لا تكفي إلا لرجل وزوجته!.    

صوت عمر المهاب.

        ومن الأصوات المُهَابة صوت يستخدمه صاحبه في الحق، ودحض الباطل، فهذا صوت عمرَ بنِ الخطاب، الذي دخل على رسول الله وعنده نسوة من قريش يسألنه، ويستكثرن رافعات أصواتهن، فلما سمعن صوت عمر، انقمعنَ وسكتنَ، فضحك رسول الله ، فقال عمر: "يا عدواتِ أنفسِهن تهبنني ولا تهبن رسول الله ؟" فقلن: إنك أفظ من رسول الله وأغلظ، فقال رسول الله : "يا عمر، ما لقيك الشيطان سالكا فجا، إلا سلك فجا غير فجك" رواه أحمد بإسناد صحيح.

صوتٌ خير من ألف.

        ومن الأصوات التي لها أثر في المعارك، وجلجلة عند التقاء السيوف، صوت الصحابي الجليل أبي طلحة، فقد كان له صوت جَهُورِي يهز قلوب الأعداء، وكذلك له صوت بالحديد إذا ضرب بالسيف يخلع أفئدة الجنود، قال: "صَوْتُ أبي طلحةَ في الجَيْشِ خيرٌ من أَلْفِ رجلٍ"([2]).

صوت المؤذن.

        ومن الأصوات التي تقوى على الشياطين، وتطردها من الأماكن والمحال، صوت المؤذن، قال: " إِذا نُودِي بالصَّلاةِ، أَدْبرَ الشيْطَانُ ولهُ ضُرَاطٌ حتَّى لاَ يسْمع التَّأْذِينَ" متفق عليه، فلذا كان أجر المؤذن عظيمًا لأجل صوته وندائه، قال: "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة".

        ولما كانت الغيلان تؤذي المسافرين أمر النبي بمكافحتهم عن طريق صوت الأذان (والغيلان نوع من الجن يظهر للمسافرين ويضلهم عن الطريق) قال: "إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان"([3])، وكان عمر-رضي الله عنه- يقول: "إذا رأيتم الغيلان فأذنوا"([4]).

صوتٌ من القبور.

        ومن عجائب الأمور التي نقتلها كتب السنة الصحيحة المسندة: أن الأموات لهم أصوات، وأن القبور لها أصوات، أما صوت الميت فيسمعه كلُّ أحد إلا الإنس، قال:" إذا وُضِعت الجَنَازَة واحْتَمَلَهَا الناس أو الرجال على أَعْنَاقِهِم، فإن كانت صالحة، قالت: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وإن كانت غير صالحة، قالت: يا وَيْلها! أين تَذهبون بها؟ يسمعُ صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سَمِعَه صَعِق"([5]).  أما القبور فمرَّ مرة على القبور فسمع صوتًا صادرًا منها، وسمع صوت إنسانين مدفونين يعذبان في قبورهما، فقال النبي : "يعذبان، وما يعذبان في كبير" ثم قال: "بلى إنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة"([6]).

فأحَدُ المعذَّبَيْن كان لا يحترز من بوله عند قضاء الحاجة، فيلوث بدنه وثيابه، والآخر يسعى بين الناس بالنميمة فمن أوقد النار بين الناس عوقب بمثل ما صنع.

ومن خصائص النبي أن الله أسمعه أصوات المقبورين، فبينما النبي في حائط لبني النجار، إذ حادت به فكادت تُلْقِيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة أو خمسة أو أربعة. فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر"؟ فقال رجل: أنا. قال: "فمتى مات هؤلاء"؟. قال: ماتوا في الإشراك. فقال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تَدَافَنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه". ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار". قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر". قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: "تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن". قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال". قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال"([7]).

أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية: الحمد لله

رفع الصوت في المساجد من بعض المأمومين أثناء الصلاة.

        وإن من الأدب خفض الصوت في المسجد، وكذلك من الأمور التي تحصل في المساجد ويشتكي منها كثير من المأمومين أن بعض الناس يرفع صوته بالأذكار خلف الإمام، فيرفع صوته في التكبير، ويرفع صوته بالتسبيح، ويرفع صوته بالدعاء، ويشوش على المصلين بجانبه، وهذا بِدْعٌ من العمل، بل وفَتْحٌ لباب الوسوسة في الصلاة،   قال ابن عثيمين: "لا يجوز للإنسان المأموم أن يرفع صوته بحيث يشوش على من معه من المصلين؛ لأن النبي  قال لأصحابه ذات يوم وقد سمعهم يجهرون بالقراءة وهم يصلي كل واحدٍ لنفسه، ولكنه يجهر بالقراءة فقال لهم : «كلكم يناجي ربه فلا يجهرن بعضكم على بعض في القراءة»، وفي حديثٍ آخر قال: «لا يؤذين بعضكم بعضاً»، ومعلوم أن إيذاء المسلم محرم، فلا يجوز للمأموم أن يجهر بالقراءة أو التسبيح أو التكبير أو الدعاء على وجهٍ يشوش به على إخوانه".

        إن للصوت أحكامًا وأخبارًا يضيق عنها الحصر والعد، وكان المراد تذكُّرَ نعمة الله بالأصوات، والتفكرَ في عجيب خلقتها، وبديع صنعها، ومعرفة شيء من ملامح أخبارها.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمْرِ المسلمينَ لِلْحُكْمِ بكتابِكَ، والعمل بسنَّةِ نبيِّكَ، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1] تفسير البحر المحيط، من سورة الروم.

([2] رواه الحاكم بلفظه، وأحمد بلفظ "من فئة" وهو حديث صحيح.

([3] رواه أحمد، وقال ابن باز: "لا بأس به".

([4] صحح إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (6/344).

([5] رواه البخاري.

([6] متفق عليه

([7] رواه مسلم.

المضاف حديثا

خطب ذات صلة