مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:06:59

صيام الجوال

بسم الله الرحمن الرحيم

صيام الجوال

وعودة المدارس

2/ 2 / 1445 هـ

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:

أدرك واقعك قبل أن يدركك.

إن من صفات الحصيف الواعي أن يتنبه لحاله، ويتفطن لتغير عادات الناس وتنكسها مِن حولِه، فإن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) النساء: ٧١ ومن الحَذَر ألا يكون الرجلُ وأبناؤه ضحيةً سهلةً لما ألقته التقنيةُ المعاصرةُ من ظواهر سلبية أثرت على مدارك الناس وعقولِهم وعلاقاتِهم الاجتماعية.

وليحذر الإنسانُ من أن يكون تابعًا من غير وعي وإدراك، فإن كثيرًا من الناس إنما هم كسِرْب القَطَا يتبع بعضُهم بعضًا، فإن قيل له: لا تفعل ذلك. قال: كلُّ الناس يفعلونه. وهذه حجةُ كلِّ مُفرِّط، وهي حجة الأولين لمّا قالوا:  (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) الزخرف: ٢٢ ولربما كان هذا تصوَّرَ الإنسانِ وتبريرَه اللاواعي من حيث لا يشعر ولا يتفوه (كلُّ الناس يفعلونه!) فهو يفعل ما جرت العادة على فعله، من غير أن يدقق ويسأل نفسه، ومن غير أن يقف ويتأمل مع ذاته، بل رأى الناس يفعلون شيئًا فهو يفعله ولا يبالي: فالجلوس الخاطئ، والإفراط في السُّكريات، والإسراف في المديونيات والقروض،...وسلسةٌ لا تنتهي، كلُّها أمور هي محل التوقف ومحاولةِ ترك التقليد. 

ويظن البعضُ أن كثرة الناس على شيء يعني صوابَه وعدمَ خطئه، بينما الكثرةُ لم تكن معيارًا للصواب مطلقًا، قال الله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الأنعام: ١١٦. فأدرك واقعك قبل أن يدركك.

التشتت والذهول.

وفي خضم الحياة المعاصرة، وكثرةِ الأشغال ودورانها، وفي عصر انفجار المعلومات والمخترعات، أصبح كلُّ شيء بين يديك في ومضة، وبين مَرأيك في لحظة، فالأخبار اليوم تصلك قبل نقلها، والتواصل الاجتماعي يحاصرك في كل ثانية، حتى غدا عقلُ الإنسان لا يستوعب تسارعَ الزمن الشديد، ولا يحتمل تدفق المعلومات إلى رأسه، فعُرِف لدينا اليوم بما يُسمّى بالتشتت، وعدمِ التركيز، وانفلاتِ الذهن عن صومعته، والشرودِ العقلي بالتوافه والعوالق عن جذور الحياة ومهامها الرئيسية، وأصبحنا نعاني من أنفسنا، ونعاتب أولادَنا، وننقم على مجتمعنا، فالزوجان قريبا الجسد ولكنهما بعيدا الاتصال، والأولادُ في بيت واحد ولكنهم في خارج أسوار البيت والمدينة، بعيدين في واقعهم الافتراضي، وانتكس على الكثير مفهومُ حديث النبي: "خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"([1])، فمع ثورة التطور التقني أصبحت الخيرية لأباعد الأباعد، وغدا القريبُ مفقود، والمفقودُ حاضرٌ لاصقٌ غيرُ مرغوب.

من أعظم مشتات العصر.

ومع هذه الثورة التقنية المعاصرة أظهرت لنا مخترعاتٍ تخدم الإنسان وتيسر له أمورَه وحوائجَه، ومن ذلك: جهازُ الجوال، والذي أوَّلَ ما كان: للسؤال ورد الجواب فحسب، ثم رويدًا رويدًا أصبح الجوال هو كل شيء في الحياة، فهو مُيَسِّرٌ لجوانبَ كثيرةٍ من المهمات والشؤون: فهو أسرتك، وعملك، وسفرك، واجتماعاتك، وأمورك المالية، وشؤونك التعليمية، وكتابك...، في تحصيل أمور إيجابية كثيرة.

الجوال سلاح ذو حدين.

 ولكنه في نفس الوقت له حدٌّ آخر، فهو سلاح ذو حدَّين، وسيف ذو شفرتين، فمع كثرة فوائده إلا أن كثيرًا من الناس انغمروا في وحْل سلبياته، وانهمكوا في آثاره وانعكاساتِه التي أثرت على كل شيء ضعفًا وانتكاسة، فلو تأملت آثار الانكباب على الهاتف المحمول بإفراط لوجدت منها: الوقوعَ في الكثير من الأخطاء، وصعوبةً كبيرةً في الحفاظ على التركيز والانتباه، وسهولةَ التشتت بأيِّ مؤثرات خارجية، وصعوبةً في الترتيب والتنظيم، والضعفَ البدني والخمول الجسمي، ومعظمُ هذه الآثار نجدها فينا وفي أبنائنا أو نباشرها في عملنا وهي من آثار الانكباب على الجوال بشكل مفرطٍ.

حتى غدت مقاومةُ الجوال كمن يقاوم الغرق في المحيط، حيث أثبتت بعضُ الدراسات أن الأشخاص يقومون بتفقد جوالاتهم كلَّ خمسِ دقائقَ مرة، من حاجة ومن غير حاجة، بل وصل الحد لبعض المُفرطين إلى عدم سقوط الجوال من أيديهم، حتى وإن كانوا يقودون سياراتهم معرضين أنفسهم وغيرهم للخطر المُحدق، وما إن يدخلُ المرءُ في جواله إلا ويغيبُ إلى عالمٍ موازِي آخر، حيث ملايينُ التطبيقات، وكثرةُ المتصفحات، والافتتان بالتصوير، والجَمَّاءُ الغفيرُ من قنوات التواصل الاجتماعي...وأشياءُ تَعرِف منها وتُنكِر.

حتى انتقل الداء إلى الطلاب، مع ضعف مقدرتهم على مقاومة المشتتات والملهيات، فالجلوس للمذاكرة لمدة نصف ساعة لا تكون إلا وهي متقطعةٌ حبالُها برسائلَ، ومقاطعَ، ومحادثاتٍ، والنتيجةُ شرودٌ ذهنيٌ عاصف، لا يُبقي ولا يذر من التحصيل شيئًا، وضياعُ الوقت بلا جدوى.

وهذا الواقع من التشتت الملحوظ-وللأسف-يمر على واقعِ كثير من الناس، ويراه الكثير سببًا لعددٍ من المشكلات والأوجاع، ولكنْ من غير محاولة للتفكير في التغيير، أو عملٍ جادٍ للإصلاح، إلا محاولاتٍ على استحياء، تُصّنَّف بأنها بائسةٌ ضعيفةٌ أمام موجِ العاداتِ حولَنا والتي تَغْلبُنا وتُكسِّر من عزائمنا.

إدمان الجوال.

        هل شعرت يومًا إذا فقدت جوالَك بأن أمور الحياة معك بلا ذوق؟ وهل أحسست عند غياب جوالك عنك بتغير المزاج، وصعوبةِ التأقلم بدون ذلكم المحمول؟ ولو انقطع الاتصال بالشبكة العنكبوتية (الأنترنت) هل تصاب بالتوتر وشعور النقص؟ وهل وأنت جالسٌ مع عائلتك وأسرتك تُغلِّب النظر إلى الجوال، بينما تسارق جلساءَك النظر وتبخل عليهم بالكلمات، وتتوتر عند مقاطعتهم لك عن جوالك؟  إن كان ذلك موجودًا فهذا مؤشرٌ غير سوي من مؤشرات الإدمان السلبي؛ لأن هذه المرحلة لها من الآثار السلبية: صحيةٍ ونفسيةٍ ما يَدُقٌّ ناقوسَ الخطر في ضرورة التوقف عن هذه العادات الخاطئة، والتي ينتج عنها: السمنة، والاكتئاب، والنسيان، والعزلة الاجتماعية، وفقدان الأشياء، وتأثر البصر...إلى غير ذلك من آثار، والله تعالى يقول: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة: ١٩٥، أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية: الحمد لله...

صيام الجوال وعودة المدارس

        إن العاقل الحكيم الذي يتعقل قول النبي: "إنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"([2])، وقولَ سلمانَ الفارسي: "إنَّ لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كلَّ ذي حقٍّ حقَّه"، فقال النبي:"صدق سلمان"([3])، وهكذا جاءت الشريعة بتوازن الحياة، وضرورة الاعتدال في طبيعة المرء، وأن الاختلال في ذلك هو اختلالٌ في الفطرة، وابتعادٌ عن مقومات الروح والجسد، وإن من العلاجات إزاءَ إدمان الجوال -خصوصًا ونحن وطلابُنا مقبلون على سنة دراسية جديدة-:

        -أن يصوم الإنسان صيامًا متقطعًا عن هاتفه المحمول، كصيام ساعات في اليوم، أو يوم أو يومين في الأسبوع، ولا يلجأ إلى جواله إلا عند الحاجة الأصلية التي جُعِل لها الجوال، وهي السؤال والجواب، وهكذا يمرن الإنسان نفسه حتى يصل إلى مرحلة الاعتدال وترك الإفراط.

        -أن يستعيض الإنسان بالحركة البدنية في قضاء حوائجه بدلاً من استخدام التطبيقات المرتبطة بجواله، فلم لا يذهب الإنسان إلى الصَّرَّافة في بعض المعاملات المالية بدلاً من الركون الدائم وقلة الحركة؟-ولو مرةً كل عشر مرات- ولم لا يذهب الإنسان للتبضع والتسوق من أسواق الجملة بدلاً من الطلبات الدائمة على البقالات الصغار؟...وهلم جرّا، سوف يكتشف الإنسان متعة الحياة بالمخالطة التي سلبها الجهازُ المحمول، وسيرى تتدفق دمائه بنشاط وحيوية بعدما تعودت الخمول والكسل، وقد كان النبي في بيته كما تقول عائشة: "يَخيطُ ثوبَه، ويخصِفُ نعلَه، ويَحلِبُ شاتَه، ويَخدُم نفسَه، ويعمَلُ ما يعمَلُ الرِّجالُ في بيوتِهم"([4]).  

ختامًا...لنكن قدواتٍ صالحةً لأنفسنا وأبنائنا، ولْنُنشِء مناطقَ وأوقاتٍ خاليةً من الجوال: في جداولنا وبيوتنا وأماكن عملنا، واستذكارنا لدروسنا، ولْنصبَّ مزيدًا من الاهتمامات على الأنشطة الاجتماعية، والخلطة المجتمعية الصالحة، ولْنخلق أحاديثَ وحواراتٍ نافعةً في الأماكن التي مِن حولنا: أُسَرِنا وأبنائنا، وعلاقاتنا الممتدة، ولْنكن أكثر ضبطًا لمحمولات أبنائنا من خلال ضبط أوقاتهم، ونشر الوعي بينهم، وانتشالهم من حالات الإدمان التقنية والالكترونية.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) رواه الترمذي، وصححه.

(1) رواه البخاري.

(1) رواه البخاري.

(1) رواه ابن حبان.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة