بسم الله الرحمن الرحيم
7 / 9 / 1446
ذو قُطْنتين يَصِف القرآن!
الحمد لله...
كلُّ كلامٍ دونه نازل، وكلُّ خُطبةٍ بدونه جوفاء، حيَّر العقول، وسحرَ الألباب، وجعل المعاند في تباب، غصونُه زاخرة بالثمار، وجذورُه مستحكمة في الأعماق، الحلاوةُ كلُّ الحلاوةِ في مثانيه، والطلاوة كلُّ الطلاوة في ثناياه، مُغدِقٌ أسفلُه، مُورِقٌ أعلاه، لا يقوله البشر، ولا يدانيه أحد بأثر، بل يُعجِزُ أهلَ البلاغةِ والشعر والنثر، إنه القرآن.
القرآن وثائق عدلية.
القرآن عالي البيان إلى قدْر الإعجاز والبرهان، مُترفِّعٌ عن الحكاية والأسطورةِ، أو التخييل والتلفيق، الأسطورةُ التي لا تخلو من ظواهر الحرية الفنية التي يمنحها الأدباء لأنفسهم حين يكتبون، بل القرآن كلُّه قائم على الحقيقة العادلة الصادقة، والوثيقة التاريخية الواقعة، والأحكامِ الموافقة للفطر السوية، أوثق ما بين يدي التاريخ من وثائق عدلية، وأحكامٍ قانونية: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) النساء: ٨٧.
أحاديث رستم، وأحاديث القرآن.
وصف امرؤ القيس الليل، فقال: "وليلٍ كموج البحر"، لكنْ، أخبر الله عن الليل بأنه يكوره، ويولجه، ويغشيه، ويسخره في آيات من كتابه، لم يكن للعرب بها دراية، ولا رواية، فلما سمعوا شواهده، إذا بهم يسمعون، (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) الإسراء: ١٠٩.
ولما أنزل الله القرآن على قريش، ما كلفوا أنفسهم بقراءته، بل تواصوا بالصد عنه، ووضْعِ الكرسف والقطن عند سماعه، (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الفرقان: ٥، أي: ما تسمعون إلا أحاديثَ الأولين الذين كانوا يسطرونها في كتبهم، كأحاديث رستم وإسفنديار، أُمليت على محمد! قاتلهم الله أنى يؤفكون. بل القرآن أمر سماوي، أنزله الذي لا يَعزُب عن علمه شيء، أودع فيه فنون الحِكَم، وأسرار الغيب، على وجه بديع، لا تحوم حوله الأفكار، ولا تسبقه الخواطر، ولكن كما قال الله عنهم، ولهم: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) ص: ٦٧ – ٦٨.
ذو قُطنَتين يصف القرآن.
أتعرف من هو ذو القطنتين؟ رجل حشى في أذنه قطنتين خوفًا من سماع القرآن، وهو الطفيل الدوسيI، وكان رجلًا شريفًا، من الأدباء الموهوبين، والشعراء النابغين، يحضر أسواق مكةَ الأدبيةِ كثيرًا، فخشيَ كفارُ مكة أن يستمع للقرآن، فأرادوا أن يجعلوه مُعرضًا كما هم معرضون، فقالوا: يا طفيل. إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد فرَّق جماعتَنا، وشتّت أمرَنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال الطفيل: "فو الله ما زالوا بي حتى اجتمعتُ على أن لا أستمع منه شيئًا ولا أكلِّمَه" فغدوت إلى المسجد وقد حشوت أذني كرسفًا (يعني قطنا) فَرَقًا من أن يَبْلُغَني شيءٌ من قوله، حتى كان يقال لي: ذو القطنتين. قال: فغدوت يومًا إلى المسجد، فإذا رسول الله H قائمًا يصلي عند الكعبة، فقمت قريبًا منه فأبى الله إلا أن يسمعني بعضَ قوله، فسمعت كلامًا حَسَنًا فقلت في نفسي: "واثكل أمي. والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلتُه، وإن كان قبيحا تركته"، فقلت: يا محمد إن قومك ما تركوني يخوفوني بأمرك حتى سددت أذني، ثم إن الله أبى إلا أن يسمعينه، فسمعت قولًا حسنًا فأَعْرِضْ عليَّ أمرَك. فعرض عليه رسولُ الله H الإسلام وتلا عليه القرآن فقال: "لا والله ما سمعت قولًا قط أحسن من هذا، ولا أمرًا أعدل منه"([1]).
العلاج بالصدمة.
فكم في القرآن من آياتٍ تصدعت لها القلوب، ورقت لها العيون، ووجلت لأجلها الأفئدة، قدِم جبيرُ بنُ مطعم بقلب غليظ، امتلأ بحب الأصنام، والتعلق بعلائق الشرك، يريد أن يكلم النبيH في فداء أسارى بدر، فوافى النبيَّH وهو يقرأ في صلاة المغرب: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) الطور: ٣٥ ، فقال: "كاد قلبي أن يطير، وكأنما صَدَع قلبي"([2]) أي: قارب قلبي أن يخرج من مكانه متصدعًا؛ لما تضمنته الآية من بليغِ الحجة، وقوةِ المقارعة، وعظيمِ البلاغة والإيجاز، إنه علاج بالصدمة، ودخول للإسلام بقوة اليقظة، ومعنى قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) أي: هل أُوجدوا من غير مُوجِد، أم هم أوجدوا أنفسهم، أي: لا هذا ولا هذا، فالله الذي خلقهم، وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا([3]).
لم تَجْمُد القلوب؟
وإن الإنسان ليخاف متسائلًا: لمَ لا يتملكني شعور القُرْب عند قراءة القرآن العظيم، ولم لا يتخالجني الخشوع للرب وهو يحدثني بكلامه المتين، ولم تمر الآياتُ تِلْوَ الآيات لا يتحرك معها نبضٌ في القلب، أو صحوةٌ في الوجدان، هل في القلوب غشاوة كما قال عثمان: "لو طَهُرَت قلوبُكم ما شبعت من كلام ربكم"([4])، أم في القلوب عجلةٌ وسرعةٌ تَخطِف تَعَقُّلَها وتدَبُّرَها كما قال ابن مسعود:" لا تَهُذُّوا القرآنَ هَذَّ الشِّعر، ولا تنثروه نثرَ الدَّقَل، وقِفُوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن أهم أحدكم آخر السورة"([5])، وهو والله ملحظ دقيق، وفهم بعيد، وليس معنى ذلك أن يفتح الإنسان مجلدات التفاسير، ومعاجمَ اللغة في البحث والتقصي، وإنما المقصود حضورُ القلب، وسكينةُ الفؤاد، والنظرُ إلى كلام أعظم من حدَّثك، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني سريعُ القراءة، إني أقرأ القرآنَ في ثلاث. قال: "لأنْ أقرأ سورةً من القرآن في ليلةٍ فأتدبَّرَها وأرتِّلَها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ القرآنَ كما تقرأ"([6])، بهذا المنهج الصافي ترتقي العقول، وتَسْتعذبُ الآياتِ الفهومُ، ونكون كأسماء Lعندما دخل عليها عباد بن حمزة، وهي تقرأ (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) الطور: ٢٧ ، قال: فوقفت عليها، فَجَعَلَتْ تستعيذ وتدعو، قال عباد: فذهبْتُ إلى السوق فقضيتُ حاجتي، ثم رجعت وهي فيها بعدُ تستعيذ وتدعو([7]). إن مَثَل الذي يَهذُّ القرآنَ كمثل رجلٍ جاء مسرعًا، فقيل له: من أين أتيت؟ فقال: لا أدري!.
اللهم اجعلنا ممن قرأ كتابك فخاف وعيدك ورجا موعدك، وتدبر كلامك، فزاد إيمانُه، وعلا يقينُه وتُرجُمانُه
الخطبة الثانية: الحمد لله...
أثر القرآن في صلاة التراويح.
أنزل الله القرآن بالفصاحة، فتعلم منه الإنسانُ البيانَ والبلاغة، ضرب لنوره مثال المشكاة والقنديل والزجاجة، الزجاجةُ كأنها كوكب دري يدفع الظلام بضوئه، ويغلب الأفلاك بنوئه، في مَثَلٍ عَجَزت عن مثله أَلسُنُ أهلِ المعلقات، وعقولُ القصص والأساطير والحكايات، فلا إله إلا الله، كيف عَجَز عن مجاراة كتابه الإنسُ والجنُّ؟ أنزله على محمدٍ عبدِه ورسولِه، خيرِ من أعرب القرآن، وأزال عن الألسن العجمةَ بالبيان، بعد أن تكاملت له ذائقة البديع والفصاحة، صلى الله عليه وآله أجمعين، يقول العلماء: ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر، وإنما رجحت صلاة الليل وقراءتُه؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والملهيات والتصرف في الحاجات، ، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل([8]).
فدونكم يا عباد الله صلاةٍ هي من أعظم الصلوات أجرًا، وأنفعِها للقلب أثرًا، صلاةِ التراويح، تُسمِعكُم الآيات، وتجولوا فيها بين القَصص والحكايات، صلاةٍ فيها خيرُ موعظة وذكرى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ).
وما جُعلت التراويح ليتسابق الناس في الخروج والمَفَرّ، ولم تكن القراءة فيها لِتُسْمِع الباحاتِ والجُدُر، إنما شُرعت لتخرجوا منها وقد تزينت بالإيمان قلوبُكم، وتعطرت بالعمل جوارحُك.
فيا مسلم. قم بالتراويح آناء الليل لترقى، ولا تكن ممن مرَّت ولم يأنس بها فيشقى، وليكن هِجِّيراك (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) آل عمران: ١١٣ - ١١٥
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) انظر: تاريخ ابن عساكر (25/11).
(1) رواه البخاري، وبعض ألفاظه عند أحمد.
(2) انظر: تفسير ابن كثير (7/406).
(1) انظر: حلية الأولياء (7/300).
(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٨).
(3) خرجه ابن المبارك في الزهد (١١٩٣).
(1) مصنف ابن أبي شيبة رقم (٦١٧٦).
(1) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن (٨٢ - ٨٤).